الأحد، 1 أغسطس 2010

زنــزانة 60 - عـزيزة المفرج

مــرحباً بكم ..
:)

إفتقدكم كـثيراً ..
حسيت اني مو داخلة مدونتي من وقت طويييل مع إني كنت أسجل دخولي بشكل يومي تقريباً.. مع ذلك ! حسيت الرفوف مغبرة .. و الأرضية بحاجة إلى مسح و تلميع !!
الشعـور الغريب .. عند دخول أي مكان غادرناه منذ وقت طويل ..

آخر عهدي بكم .. عندما كنت " مجنونة " :) لكني عـدت اليوم بكامل عقلي
و قوتي الداخلية ....
بــ قراءة جديدة .. نذرتها للوطن
للـكويت .. و لـ ذكراها الكبيـرة .. 2 - 8


.:.

قبل أن أبدأ بـ كتابة قرائتي لـ رواية زنزانة 60 لـ عزيز المفرج
أريد أن "أتحلطم" بشأن بعض الأشياء .. و الظواهر التي يبالغ الناس في إظهارها في مناسبات كـ هذه ... أرفـض أن تكون الكويت مجرد " توبيك " في الفيس بوك !
أرفض أن تكون الكويت .. توقيع يذيل مشاركتنا في المنتديات !
أرفض أن تكون الكويت شعاراً نرفعـه .. أرفض أن تصبح مظهراً من مظاهر مجتمعنا
تلك المظاهر الـفارغـة .. الخالية من أي معنى و روح !
و لست على منوالهم هذا في كتابتي هذه ..

سبب كتابتي لهذه القراءة ،عن رواية زنزانة 60 تحديداً جاءت لـ عدة أسباب
منها وعـدي لإحدى المـُدونِات لكتابة قراءة عنها ، و منها رغبتي بإعادة قرائتها لاسيما و إني قرئتها لأول مرة في السنة الأخيرة من الثانوية
و أود مراجعة رأيي بها و تأثيرها علي .. و أخيـراً كون هذه الرواية شيئاً مهماً إلى جانب كتب عديدة تتحدث عن سيرة الغزو

من مجموعة كتب مهمة أفتخر بإقتنائها كـ يوميات الصبر و المر لـ ليلى العثمان الرائعة و الحواجز السوداء لـ ليلى أيضاً
و غيرها من الكتب ممن سأحاول جاهدة مشاركتكم بها في هذه الفترة

إكــراماً للوطن
و لأجل ذاكــرة الوطن .. لأجل تجديدها و إنعاشها و المحافظة عليها
و لأجل مسح الغبـار عن أسمــاء محفورة في القلوب .. و يجب أن تبقى كذلك دائماً .

سائتني مظاهر "الفشخرة" و محاولة " التكشخ " بكتابة جمل منمقة كـ توبكات و كأننا من خلالها أعطينا الوطن حقه و دينه علينا .
و أحببت الفضفضة عن إستيائي هذا .. هــنا معكم.


.:.

زنــــزانة 60 - روايــة واقعية
عزيزة المفرج
1994
في أولى الصفحات بعد الـغلاف .. نجد :

بسم الله الرحمن الرحيم
( و جعلنا من بين أيديهم ســـداً و من خلفهم ســداً فأغشينـهم فهم لا يبصرون )

في الصفحة التي تليها يأتي الإهــداءو قد كتبت فيه مجموعة جـُمل معبرة ، منها :
- تجارب الخوف و القلق و الحيرة التي كانت تزمجر و تعربد في قلوبنا جميعاً ، شيبةً و شباباً ، نساء و أطفالاً و رجالاً.
- أنات المعذبين .. و ترتيل الخاشعين و الدماء الطاهرة لأبطال الـكويت المخلصين .. كلها محفورة في الذاكـرة كأنها حدثت البارحة

إلــخ

الرواية تتكون من أبــواب كثيرة ، هي : ( رحلة العودة - الاعتقال - المشاتل - أسرار - الكابوس - مكية - ليالي الرعب - الحرملك - قصر نايف - القطة - قبل الرحيل - رأس السنة - الى البصرة - القبر - العذاب - قطار بغداد - المعتقل الجديد - الغرفة الحمراء - الزنزانة 60 - البائسات - جلسة الرحمة - الضربة الجوية - افراج - بعقوبة - دلة عباس - نوال - الزبير - في حضن الوطن )

قد يبـدو لكم أن لا شيء يربط بين هذا العدد الكبير من الأبواب .. لكن ما يربط بينها هو أحداث القصة نفسها
لن أطلق عليها إسم راوية ، فهي ليست عملاً روائياً بالفعل .. بدت لي في بعض الأحيان كالتقرير أو القصة الطويلة التي تهدف إلى توثيق أحداث و أشخاص و معلومات لابد أن تخلـّد في ذاكـرة الزمن ، لكن هذا الشيء لا ينفي عنها متعة القراءة
و شـدة تأثيرها على القارئ و الاندماج لاسيــما .. في الأبواب العشـرة الأولى ، حيث كانت الأحداث تدور في الكويت .


تتـحدث الكاتبة عن أشياء كثيـرة جداً و تفاصيل لأمكنـة كثيرة جداً .. و إني أثني عليها لـ حفظها تفاصيل كل تلك الأمكنة و تدوينها بـ دقة.

من ملاحظاتي على هذا الكتاب .. المرور على بعض التفاصيل الهامة .. بشكل عابر !
أحد هذه الأحداث عندما مرت الكاتبة على حدث هام كـ دخول الأسيرة و الشهيدة سميرة معرفي معهم لعدة أيام في الزنزانة

دون أن تذكر أي شيء منها سوى إسمها الأول ( سميـرة ) و أوصافها ( الشعر القصير و الغرة الطويلة ) و التي أستدليت من خلالها على شخصية الأسيـرة .. مع ذكر بعض التفاصيل الطفيفة عن حديثها عن قصر نايف و معاناتهم في ذلك المعتقل الوحشي ، كـ خروجهم لدورة المياه مرة واحدة فقط في اليوم .
و كـذلك مرورها بسرعة و بدون تفاصيل توضيحية لـ وجود فتاة تدعى ( إنعام ) معهن في الزنزانة .. و التي أعتقد أنها كذلك الأسيرة و الشهيدة إنعام العيدان ... و لم تذكر منها سوى شعرها الأسود الطويل جداً الحريري الملمس و شـدة جمالها ، و هذه هي أوصاف الشهيدة
كما يبدو واضحاً في صورها و لا سيما صورها الأخيرة قبل الأزمة .
ملاحظة أخرى أخيرة ...
عندما كتبت عن الشعب العراقي ما يلي :

( إبتسمت و أنا أتذكر طرائف الكويتيين مع أولئك الغجر فكيف يمكن لـ شعب أغلبه أميّ لا يقرأو لا يكتب ،و لم يطلع على حضارات سواء عن طريق القراءة أو السفر ، فكيف يمكن لهذا الشعب أن يسيطر على شعب أكثر إطلاعاً و حضارة )

لا أخالفها الرأي أبداً ، إن كانت تقصد الغوغاء و أفراد الجيش الشعبي و جماعة الاستخبارت و غيرهم من ألزام صدام و ألزام البعث
و لكن الشعب العراقي الأصيل أو " الأصلي " ليس جاهلاً تماماً إلى هذه الدرجة التي قد تصل للقارئ .. لاسيما إن كان قارئاً غير مطلع على المعلومات العامة و تاريخ الشعوب .. الشعب العراقي معروف بحضارته فيما سبــق طبعاً..
و بالطبع ليس الوقت مناسباً للدفاع عنهم هنا ، لكني أرفض تعميم الجهل و الأميـّة على شعب بأكمله .. أياً كان هذا الشعب و أياً كانت دولته.
و لكني لا أختلف معها في كون الشعب الكويتي .. أكثر إطلاعاً على الحضارات من خلال القراءة و السفر مثلاً
و لا أختلف معها أبــداً في فشــلهم فشلاً ذريعاً و تاريخياً في السيطرة علينا كـ شعب أصيــل.


.:.

أكثـر ما أمتعني .. و أثر بي ..
سيرة رجالنا و نسائنا الأبطال من ذلك الجيـل الماسي ، سيرتهم في المعتقلات
و أسمائهم الزاهية .. سامي القبندي \ أسرار القبندي \ مبارك النوت \ سميرة معرفي \ و محمود الدوسري
و هو بالمناسبة الذي يشغل منصب الوكيل المساعد لشؤون المرور .
سيــرة البطولة و الرجــولة .. العــزة و قـوة النفس و الإصرار
النوم في الممرات الباردة في عز شهر ديسمبر في ملابس صيفية مقطعة و مهترئة ، أجساد ذابلة متورمة ..
و عيــون تنطق بالقوة و العـزة و الإصرار و الرجولة .
نساء الكويت .. اللواتي تعرضن للتعذيب و الإهانة ليلاً نهاراً من قبل زمرة أشرار قتلة ..
اللواتي قبعن في زنازينهن طاهرات عزيزات .. من أثـر عزة الوطن و قـوة الأساس الذي بني في داخلهن غرسة غرسة ...

لـ يحـل السلام و النـور على أرواحكم جميعاً

.:.


مقتطفات من الكـتاب :

- بل سننزع منكم كل شيء .. كل شيء ، حتى نزيل منكم تلك العنجهية و الغرور الكويتي .. أنتم لا شيء سوى نقود و عقول فارغة
و سوف نأخذ النقود فلا يبقى سوى النقود الفارغة التي لن تفيدكم في شيء . " محقق عراقي "


- و لكن إن كان للغزو حسنــة ، فـ حسنته أنها أثبت أن شبابنا رجــال .. حفظهم الله .. إن ظفر الواحد منهم بـ رقاب كل كلاب صدام .

- إن للعين رسولاً يمكن فهم رسالتـه بدون سماع أي حرف . " كتبت هذه الجملة لبيان أثر نظرات التشجيع من المعتقلين الكويتيين أثناء اقتياد الكاتبة لجلسة تحقيق "

- ... إستمرت الصرخات تنطلق في شدة تقطع نياط القلب و صوت عال يدل على ضرب ثـم بكاء رجــل و صراخ آخــر يطالبه بالإعتراف...... يا إلهــى ، ما هذه القسوة في هذا الشعب .. كيف يتخلون عن آدميتهم بـهذا السخاء .. هل ينتمون مثلنا إلى صنف البشر
أم ينتمون أكثر إلى الشيطان الرجيم .

- ... إن تلك الزيارة تبعث في نفسه القوة و الثقة و هو يرى أبناء الكويت مصفدي الأقدام بالسلاسل يكادون أن يهووا على وجوههم في ذهابهم إلى دورة المياه و عودتهم منها ، كما كان يعجبه منظر بنات الكويت و هن محبوسات في خن الدجاج ذاك فيأتي كل ليلة لكي يمتع عينيه بذلك المنظر ..

- ... فحقدت على شعارات و هتافات حزبيـة تملاً الوطن العربي من أقصاه إلى أدناه و لم يكن لها من أثر سوى زيادة ثروات واضعي تلك الشعارات ، و زيادة فقر الغوغاء الهاتفين بتلك الشعارات الفاسد أصحابها .

- .... سوق آخر يدعى ( سوق الكويت ) لأن كل ما به مسروق من الكويت .... و هو على حد قولهم يحوي كل ما يمكن أن يخطر على البال لدرجة أن أشرطة الزفاف الخاصة بالعائلات الـكويتية تباع هناك . " حديثها عن سوق في بعقوبة "

- إن البلد ليست أرضاً و حدوداً فقط و إنما ارتباط عاطفي شديد الحساسية لا يمكن الفكاك منه أبداً، و قد يخسر الفرد حياته في سبيل حبه لبلاده .

- هي مجــرد لحظة ، و لكنها كافيــة كي يدرك الإنسان أن الفرق بين الحياة و الموت شيء بسيط و لا يمكن حسابه .

* ملاحظة :
تلك المقتطفات لم أنقلها إلاّ للعظة و العبرة ، فإتعضوا يا أبناء وطني و يا أبناء جيلي !

.:.


الكتاب جيـد جداً
و يستحق الإطلاع عليه

:)

تحياتي

.:.


الأحد، 18 يوليو 2010

مجنونة



.:.

لا أعرف جهات..
أعرف رملا يقود قدمي..
إثر قوافل ماثلة،،
تحدو في نحيب حائر،،
لا تقطع الطريق..
ولا تقص الأثر !
بوصلتها نجمة الضياع ..!1

.:.

حيلة نفسيـة ..
الجأ لها مع صديـق في خيالي .. يعيش في ركن من اركان الروح
حيلة ( الكرسي ) كلما استبدت بي الدنيا
كلما ضغطت علي الظروف بكماشتها الحادة القاسية
كلما اختنقت دموعي لـ فرط قهري
كلما أحسست بالظلم يزيد جرعاته المرة في حلقي الجاف
كلما تقرفصت في زاوية التعب ....

الجأ إلى هذا الكرسي

كرسي عادي جداً .. خشبي طويل
يشبه كثيراً الكراسي التي نراها في الحدائق

اراه امام حائط ذو لون واحد " لكم الاختيار "
و أجلس .. على مسافة قريبة من الحائط .. فقط ...

أظل اسبح في هذا الخيال

و ادقق أكثر في الحائط .. في فراغه

في لونه

في سطحه

.. أتنــهد ...

حتى يصبح الفراغ في عيني

و داخل روحي

حتى يملاً الفراغ ،قلبي المتـعب

و وجداني الذي يستمر في عطاءه دون حيوية

..

شيء قريب مني يقول :

ميـنونة !

.:.

أتضايق

أبـكي ....

أشعر بأني نقطة مهملة

كل شيء بعيد عنها

أتلفت حولي .. لا أحــد

لا أحد يحضنني

لا أحد يلملم شتاتي

أشعر بالوحدة تجمـد عظامي

و الألم يخدش روحي و ينتهكها ..

الهاتف .. صامت

أصم

لا أرغب ان اتصل لأنـزف يأسي على أحد
و كأني استجدي منهم إحساساً !

لا شيء حولي

شاشة الكمبيوتر أمامي بنورها الأبيض

و كأنها تفتح ذراعيها أمامي

ليس بوسعها ان تحيطني في ذراعيها

و لكنها على الأقل .. تفتحهما .. ترحب

تنـادي

تستقبل

تنتظر ...

أحمل اللابتوب و اضعه في حضني

دامعة العينين

مرتجفة الأصابع

أدخل الرقم السري لإيميلي المهجور

لا أحد

كل الأسامي بلون رمادي باهت لا روح فيه

لا وجود للون الأخضـر

هه .. ما الجــديد !

تجولت بين الأسماء

هذا ذكـرى

و تلك صديقة

و هذه مجرد إسم اضافي

.. اتنهـد ...

أفتح أحد المربعات بعشوائية

أكتب و أرسـل

أشكو و أرسل

أبكي بحروفي و أرسل

أفرغ ألمي و لوعتي .. و ارسل

حتى أكتفي و أشعر بالتعب و بالنعاس تسلسل إلى جفوني

ليـرحمهما من قسوة السهر و الدمع.

أغلق المربع

و أهرب من الإيميل ...

..

شيء قريب مني يقول :

انتِ ضعيفة ..!

.:.

كلها للتحايل على جنوني

و في النهاية .. لا يثبت شيء سوى : أنتِ مجنونة !

.:.

مع كل صباح أكتشف جفافا آخر في جسدي ..
وأقول: إذا جاء الليل ستنكشف العورات الفجة ..ويجيء الليل ليثقبني ثقبا آخر.. حتى يبتز طعاما للنجمات !
2

( توضيح : مجـرد هذيان )

الأربعاء، 14 يوليو 2010

الحيــاة أولاً


~ مدخل :
جالسة على السرير .. و فمي محشو بالبسكويت
و لكنه لم يشبع فيي شيء ! لا جوعي للتغيير و لا للتعبير
و لا حتى جوعي العاطفي ..
وعدتكم بأن ألحق القصة الاولى بالثانية فور النشر .. لكني قررت منح القصة بعض الوقت كـي تأخذ حقها :)

القصة الثانية و الاخيرة
مع الزميل العزيز : حسين ، مدونة ( تحت الصفر )
بعنوان : الـــحيــــاة أولاً
.:.
اليوم كان مختلفاً منذ أن مضى الليل بثقله الكريه وتهادت نسمات الفجر معلنة قدوم نهاراً جديداً من الشقاء والانتظار ..
قفز البائس ذو التقاطيع الوسيمة صاحب الجسد الرياضي المتقن من مرقده وارتدى الجينز والتي شيرت المهترئ واضعاً "كيس" يضم لباس عملة تحت إبطه ومضى مع مجموعة كبيرة من العمال ارتدت رداء عملها و وضعت كل شقائها و احتجاجها المنحوت على ملامحها السمراء القادمة من البعيد أمامها وبدأت يوما أخر .

كان مميزاً بينهم بقامته الصلبة رغم قصِرها ،وجسده المفتول كان مختلفاً عن الجميع ..
أكثر إنسانية ورغبة في التطور و تطلعاً إلى الآتي ..
أتى كما الجميع من بعيد ..من الأكواخ الصغيرة الـنتنه و من خلف الأبقار والحقول اليابسة .. يحلم بحالة أفضل يسعى لها هو المفرد من ضمن الملايين في العالم بأكمله حتى أن العالم نفسه يسعى للتطور على نحو غريب لا يتوقف و لا ينتهي ، كلٍ على هواء طموحه ورغبة أحلامه ..

كان صغيراً جداً عندما أخذه والده من بين تراب الحقل وسنابله وألحقه بالمدرسة رغبة في إنارة عقله بضوء العلم .. ودع أترابه بسأم ، قبل أن يدرك المبالغ التي تكبدها والده .. و قبل أن يدرك قيمة هـذا العلم الذي لا يطاله إلا قلّة قليلة من أقرانه .
كان والده شديد العزة .. لكن الفاقة تقتل الرجال كما يقولون؛ وضعه الفقر تحت أقدام أصحاب السلطة والنفوذ ولم تطعم عزته زوجته وأطفاله حينما رفض الانسياق إلى تيار الانكسار الهادرلكنه وجد ما يقتات به عندما أصبح يشبه العتبة التي تدوسها أقدام الأسياد..
و كان يحلم بكل إصرار بأن يصبح ولده حلمه الذي لم يتحقق .. فسحق نفسه بالعمل من أجل توفير حياة أفضل لولده البكر ، و ألحقه بالمدرسة في قرية نائية لا ترى في الحياة سوى البقر والحقول الخربة..

شب الولد متفتحاً كزهرة ندية وسط كومة حشائش تآكلتها الصفرة وتقصفت جذوعها.. صمم والده على أكمال الشاب مسيره في الحياة في مكان أخر يقولون إنه يطمر من يذهب إليه بالذهب والعزة و العيش الكريم !
فقرر أن يتغرب ولده للعمل .. هـــناك، بعيداً في بلاد الذهب الأسود التي تسيل أنهار الوفرة فيها ، وما عليك إلا أن تجد فرصة لتعبأ قواريرك وتعود سيداً في أرضك تدبر الوالد أمر ابنه .. وأصبح كل شيء جاهزاً للرحيل .

لازال يتذكر ذلك اليوم جيداًعينيها لم تفارق خياله .. وقفت بعيداً .. تتأمل مشهد وداعه لأهله و بكاء أمه بقلبها المنفطر و إنتصاب قامة أبيه المعتـزة برحلة ولده المنتظرة .. عينيها .. و هي تراه يحمل أحلامهم و آمالهم و مستقبل إخـوته الصغار .. عينيها فقـط ... لاحقتـه .. أسـرته ، حمل نظراتها في قلبه و روحـه و وعدها بأن يعود محمل بالغنائم ليقيم لها عرساً ليس له مثيل و بيتاً لا يشبه أكواخ القرية .. ثبت نظراته فيها و هو يقول : أعــدُك ِ .. أعدكِ اخبرها إنه سيظل يجتر أيام طفولتهما المشتركة حتى يعود و يلتـم الشمل.


الــيوم .. مضى على تلك الليلة 8 سنين كاملة دون أن يستطيع توفير الكثيرالحياة هنا أشد شقاء من تنظيف حقول البقـر .. و الحفر المتواصل في الحقول بحثاً عن جذر نضر! الحياة هنا مصطنعة .. لامعة لدرجة تثير الغثيان ! لا شيء غير الذل .. و الحر.. و المعاناة.. و الأحلام التي تراها كل يوم تنهار أمامك ! الأيام جمرات تشتعل في صدره .. و رغبته في العودة إلى عينيها تتوالد في كل لحظة يـود فقط لو يستلقي إلى جانبها .. و يفرغ ما بداخله من ألم .. لو يتكور و يدخل في حضنها ليعود طفلاً ..
لو يهـرب من نظرات أخوتـه و رجاء والدته .. لو يهرب من رسالة والده !
الرسالة الأخيرة من والده كانت تحمل أخبار سيئة .. المرض يكاد يفتك به والحبيبة لم تعد تقوى على صد الراغبين .. يجب أن يعود.

و لا يقـوى حتى الآن ...خياله كان سارح في كل هذا .. في البعيد وهو يدفع عربة الجمعية التعاونية هذه الرجل الرخو المحملة بالكثير ويسير خلفه ساهماً ..لم ينتبه لوقوف الرجل المفاجئ أمامه ولم يستطع تفاديه لتأخذ العربة طريقها إلى مؤخرة الرجل الذي تداعى على الأرض قبل أن يقوم وهو فائر الأعصاب ويسدد صفعة قوية على صدغه طوحت به مرتداً إلى الخلف ..طوى قبضته القوية وهم بتسديد ضربة إلى وجه الرجل..!!
لكنه أحجم بذل .!وأطلق لسانه بعبارات الأسف و الإعتذار ..نهره الرجل ومضى بعيداً بعد أن عاقبه بأن لم يضع بيده أي عملة نقدية..!
شعر ببخار يتصاعد من صدره .. إجتاحته رغبة بالإنقضاض عليه و هو يركب سيارته الفارهة ليسدد له لكمات و صفعات كثيرة كتمها و لجمها في قضته ، لكمات ود لو يسددها إلى الحياة .. إلى تلك الــقدرة المجهولة التي تدير الظلم .. و تقسّم العدل على من لا يحتاجونه ..
تعطي الأمل لمن لا يشعرون بقيمته .. و ترمي الخيبة على من يمزقهم الإنتظار !
شعر برغبة عارمة في العودة إلى وطنه والزواج من حبيبته والاستقرار هناك إلى الأبـد .. ربما وطنه الفقير و حضنها الهزيل هما من سيمنحانه الانتماء و الأمان و الكرامة .

قـــرر الرحيــل .. فكم صفعة بالحياة بإمكانها أن تعيدنا إلى الصواب كل شيء له سبب .. وهـو لم يكن يريد إلى سبب .. وهذه الصفعة منحته إياه .
أحساس بالارتياح تمدد في قلبه أخر هذا اليوم الطويل .. غداً سيخبر الجميع بأنه عائد إلى بلاده و بظرف أقل من أسبوع سيكون هناك .. القليل الذي جمعه من هذه السنين يكفيه ليكون نصف سعيد ..خلع لباس العمل وارتدى ملابسه التي تظهر عضلاته المفتولة و بنيانه القوي و قميصاً أبيض .. و بنطالاً بنياً خبأه في صندوق ثيابه طويلاً .. ليوم العودة ، فتح أزرّة القميص العلوية كاشفاً عن صدره اللامع الصلب .. و مشـط شعره إلى الخلف ...

دخل إلى الجمعية ؛ مقر عمله و أمله الذي كان .. مزهواً بقراره أمام بقية العمال ببدلاتهم الزرقاء ، لاحقوه بنظراتهم . بعضهم بدهشة ...و بعضهم الآخر بحسـرة على أحوالهم .
توجه إلى ثلاجة المرطبات ، و أختار أكثر زجاجات "البربيكان" بروده بطعم التفاح .. فالــيوم هو سيلبي رغبات نفسه دون قيود ..
و في هذه الأثناء .. تــأتي هي ، مجرد إنسانة أخرى في هذه الحياة . كل ما يميزها .. إنسانيتها وقفت بسيارتها و قررت البقاء لدقائق قبل النـزول فقد جذبها لحنٌ ساحر انساب من محطتها الإذاعية الكلاسيكية .. أسندت رأسها بذراعها و أخذت تصغي و تتأمل مشهد عـمّال تجمعوا في زقاق جانبي مظلم جزئياً ، تسلل إليه شعيرات قليلة من شعاع الشمس ... في هذه الأثناء ..

خرج هو مزهواً نافشاً ذراعيه يسير على مهل والأمل يغسل فؤاده بعوده قريبة حاول فتح الزجاجة بطرف إحدى العربات المتناثرة أمامه فلم يفتح .. ما كان منه إلا أن انقض على الغطاء بأسنانه فشهقت هي بتفاعل شديد مع المنظر !.. ثم قذف بغطاء الزجاجة بعيداً بعد أن انتزعه بحركة تمثيله وهو يلمح عيون جميلة ترمقه بنظرة دهشة من تلك المركبة القريبة..لم يأبه لها فهو سيعود لعينين أجمل .. أخذ رشفة كبيرة من زجاجته وأكمل سيره عبر الطريق الضيقة المظلمة والعيون الجميلة مازالت تراقبه من الخلف ...
.:.

مع تحيات
إنعكاس & حسين
:)

السبت، 10 يوليو 2010

هـوس - قصة قصيرة


~ مقـدمة :
بالتعاون مع مـدونة ( تحت الصفـر ) و صاحبها المبدع ( حسين )
http://7osen-man.blogspot.com/
نتـشرف بعرض مجهودنا المشتـرك في تأليف و كتابة قصتين قصيرتين
أولهما قصة ( هـوس ) و التي نتمنى ان تنال على إعجابكم
و ترتقي إلى إرضاء ذائقة القارئ الكريم :)

حقيقة آنا سعيدة بهذا التعاون ... و فخـورة جداً بعرضه
الليلة مع القصة الأولى و غداً مع القصة الثانية إن شاء الله :)
كـــونوا معنا .
.:.
تتصفح المجلة بحركات سريعة .. كحركة قدميها التي تلوح في الهواء خلفها ... بتململ .. تبحث في الصفحات عما يستوقفها .. ظهيرة كسـولة ككل يوم .. هواء التكييف يجمد الأجـواء و يزيدها خمولاً .. تستلذ بطعم الحلوى المفضلة لديها ذات اللون الأحمر الفاقع و الطعم اللاذع.

يثير اهتمامها دراسة عمّا تطمح إليه الفتـاة في رجل أحلامها .. و فارس لياليها ...مانشيت الدراسة " الفتاة تبحث عن الأب في فارسها" تعقـد حاجبيها مستنكرة !! تكمل قراءة التفاصيل ...و تفهم أن المقصود من الدراسة أن أكثر الفتيات يبحثن عن حماية الأب و حنانه و حكمته و احتواءه كما يبحثن عن مساحة صـبر الأب و عقله الشاسعـة التي بوسعها أن تستوعب طفولة الشابة المتأخرة إن وجدت .. أو حتى حماقتها.
تدفع بالمجلة بعيداً عنها .. و هي تتمتم : هـراء ..!تنقلب على ظهرها بحيـوية .. و تنثر خصلات شعرها و هي تحدث نفسها .. سيكون رجلي شاباً .. عصرياً ...لم و لن يكونَ إلاّ لي و من أجلي .. سيكون شاباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. تغمض عينيها و تبتسم ببطء و استرخاء لذيذ.
كبرت .. و أصبحت على مشارف التخرّج من الثانوية و لم تجد من يخطفها .. لم تجد فارسها إلا في أحلام المساء ، كانت تروي حكايا كثيرة لزميلاتها عن أبن الجيران الذي لا يكف عن ملاحقتها، و عن فلان .. الذي لمحها في ذلك المكان و لم تسقط عينيه من عليها ...
كانت جميلة .. و ملفته .. تكمن سيطرتها في عينيها؛ فـ نظرتها مغناطيسية نافذة التأثير .. لا ترحل عن أحدهم قبل أن تجذبه و تصيبه بحاله شرود ..
ما كان يمنعهم عنها .. هي تلك البراءة النائمة على ملامحها ..حتى عندما يسقطون تحت مغناطيسيتها .. يبعدهم إحساسهم بأن الطريق للوصول إليها طويل و ربما مستحيل ؛ فـ يصرفون نظرهم و إحساسهم عنها سريعاً .
لم تعرهم اهتماماً .. ما كان يجذب انتباهها صنف مختلف .. دون شعـور أو إدراك ...كانت تذوب في الشعر الأبيض المزروع بعشوائية في رأس والد صديقتها !
و في تقاسيم جسد والد تلك ..!
بسرعة .. يلفتون نظرها .. و تلاحقهم بنظرات لا يفهمونها ...
إلى أن وقعت في ذلك اليوم .. كانت تراجع في أحد الأندية الشبابية بحثاً عن وظيفة الصيف المؤقتة استكملت الطلبات، أوراقها جاهزة .. و شمس الصيف ملتهبة فوقها ..خصلات شعرها تتناثر بفعل نسمات الهواء التائهة .. رفعت نظارتها الشمسية بحركة سريعة لرأسها بعد أن أربكتها الأبواب الكثيرة .. و هي لا تعرف إلى أين تدخل .
سمعت صوتاً من خلفها : تحتاجين مساعدة ؟!
تلتـفت ... تجده أمامها

سألته عن وجهتها ، فأخبرها إنه بانتظارها .. ستعمل معه في المكتبة مع مجموعة من الشباب .
خفق قلبها على نحو غامض لا تعرفه.. هذا الرجل الذي يقف أمامها يملك مواصفات فارسها كما تتخيل شعره الأبيض المتناثر بعشوائية ... صدره العريض .. نظرته الحنونة .. كل شيئا به كان يشي بالغواية التي تسربت لعروقها منذ النظرة الأولى .

في اجتماعهم الأول تحدث بانطلاق مبهر عن مهام كل فرد منهم .. نظراتها كانت تـلتهم تقاطيعه بنهم صامت، كان كل ما التقت عينيهما اخفض نظره بخجل رجولي متزن.
عملت بجد في الأيام الأولى ... وازدادت قرباً منه بعد أن تميزت عن رفاقها باطلاعها على أغلب الكتب التي حدثهم عنها.. جمعتها به جلسات طويلة و تحدثا في كل شيء ..إنه رجل مبهر في مقتبل الأربعين من العمر .. منحته سنين عمله الطويلة مع الكتب حكمة ومهابة .. له نظرة نافذة لشخصية الإنسان و في ذات الوقت هو مرح جداً و متفهم لأبعد حد .. إضافة لطيبته الكبيرة التي يصعب تجاوزها ..شعرت بعواطف متضاربة نحوه ، فتارة تجد نفسها منجرفة وراء إحساس بالحب تجاهه .. وتارة أخرى تجده الأب الحنون الذي حرمها القدر منه .. وعندما تتملكها تلك الأحاسيس الطائشة بغنج أنثوي تتمنى أن تمرر أصابعها في شعره الأشيب و أن تطبع قبلة حب بين عينيه الحنونة.
في الليل لا يزورها شيء سوى حلمها به ..حلماً تلو حلم .. تلتف سلاسل التصورات حول عقلها و مخيلتها كما تفتـل خصلة شعرها بإنسجام و هي مستلقية على سريرها ليلاً ...تفكر به .. تناديه .. تحدثه .. تحضن يدي .. تتعمق في عينيه .. على مسافة قصيرة منـه ...تتصور رأسه في حضنها .. تتصور ذراعيه تلتف حول خصرها .. و تلفها بإتجاه الكواكب و النجوم في دورانات لا تتوقف و لا تنتهي .. كـ دوار الشغف الذي أصابها منذ لقائها به .تسكـر .. تـدوخ .. تلمع في عينيها رغبــة .. و تهمس لليلها المجنون : أنــت لي ...

مرت الأيام سريعاً .. ورغم وجود عدد من الشباب العصري الذين راحت عينيها تجذبهم نحوها إلا إنها لا ترى غيره ولا تهتم لغيره ..و عندما أخبرها في معرض أحد أحاديثهما الكثيرة عن زوجته وطفلتيه أصابتها حالة من الغيرة التي لا تفهم كنهها .. راحت ترص الكتب بعصبية لافته أدركها منذ اللحظة الأولى لكنه تركها دون إشارة.. .:.
في اليوم التالي لهذه الحادثة تجاهلها بوضوح .. حاولت جره لحديثهما اليومي لكنه تكلم معها برسمية قاسية .. انتابتها حالة يأس وانكسار وحاصرتها عبرة وقفت في حنجرتها ونأت بها عن الجميع.
سألت نفسها ماذا تريد منه.. ولم تجد إجابة شافية .. داهمتها أفكار كثيرة .. وأصابتها حالة من التهور الداخلي .. انتظرت حتى ذهب الجميع وبقيت معه .. سألها بـرفق : لم بقيتي ..؟ قالت : أريد أن أحدثك ، فـ أشار عليها بأن تقول .. عضت على شفتيها بدلال وجرت طرفيّ سترتها حتى تعـرت أكتافها وقالت وهي تمد له يدها بتأوه هل تراقصني ..؟!رمقها بنظرة قاسية وتجمدت ملامحه أمام دلالها المفرط وقبل أن تستفيق من لهفتها وجه لها صفعة قوية أسقطتها أرضاً وهو يقول .. أتمنى أن تعيدك هذا الصفعة إلى رشدك .. تساقطت دموعها بذل وهي تقول أنا أحبك ... سحبها من يدها بقوة وأعاد سترتها إلى وضعها الطبيعي و هو يغرز غضبه في عينيها و يقول : أذهبي إلى منزلك ولا تعودي ..!!
ركضت من أمامه وفي داخلها عاصفة من المشاعر المتضاربة.. بكت طوال طريق عودتها وهي لا تصدق ما حدث !
منذ تلك الحادثة وهي تحلم كل يوم بصفعته... لازالت مشاعرها مندفعة باتجاهه .. تتمنى أن تواجه شخصا مثله بإمكانه أن يرى أبعد من غواية عينيها ... لكنها تدرك الآن أن عينيها لن تجذب الشخص الحقيقي .. فقط الكاذبون هم من ينجرفون وراء غوايتها .. لم تعد للعمل لكنها ظلت تبحث عن شخص يشبهه ... ولم تجد حتى الآن ...
.:.
مع تحيات
إنعكاس & حسين
:)